العاب

“هو أنا بتاع كشري؟”: لماذا تخلصت أبل من شاحن أيفون 12؟

نحن الآن في بدايات القرن العشرين، عندما كانت السيارة مجرد لعبة في يد الأثرياء من القوم في الولايات المتحدة، وكانت معظم الموديلات عبارة عن آلات معقدة، تتطلب سائقًا على دراية بالاختلافات الميكانيكية لكل آلة ليتمكن فقط من قيادتها.

هنا ظهر هنري فورد، والذي كان مصممًا على صُنع سيارة بسيطة وموثوقة وفي نفس الوقت بأسعار معقولة، سيارة يستطيع العامل الأمريكي العادي أن يتحمل سعر شراءها. ومن هذا الإصرار جاء موديل السيارة الشهير “موديل T” مع خط التجميع بالجملة. وهو ما أحدث ثورةً في المجتمع الأمريكي، وتحول شكل العالم الذي نعيش فيه اليوم.

لم يخترع هنري فورد السيارة، لكنه صنع سيارةً في متناول المواطن الأمريكي العادي، بينما كان المصنّعون الآخرون راضين عن استهداف سوق الأثرياء فحسب، طورت شركة فورد تصميمًا وطريقة تصنيع جديدة قللت بثبات تكلفة السيارة “موديل T” منذ ظهورها. وبدلاً من أن يجني الأرباح مباشرةً، خفض فورد سعر سيارته، ونتيجة لذلك باعت شركة “فورد موتورز” المزيد من السيارات، وزادت معها الأرباح بشكل مطّرد، وتحولت السيارة من لعبة فاخرة في أيدي الأثرياء إلى دعامة أساسية للمجتمع الأمريكي ثم العالم.

قصة ظريفة، أليس كذلك؟ لكن ما علاقتها هنا تحديدًا؟ أو ما الذي جاء بـ “القلعة جنب البحر؟”.

حسنًا، سنحتاج إلى العودة إلى عام 2007 للإجابة على هذا السؤال، في أول مرة يظهر فيها هاتف الأيفون، عندما قال ستيف جوبز: “الأيفون منتج ثوري وسحري، يسبق أي هاتف محمول آخر بخمس سنوات. لقد ولدنا جميعًا بأداة مثالية للإشارة وهي أصابعنا، والتي يستخدمها الأيفون لإنشاء أكثر واجهة مستخدم ثورية منذ ظهور الماوس”.

لن يفهمها جيل الأيفون!

عندما وصل هاتف الأيفون لأول مرة، كان بمثابة مصدرًا للإلهام، جهاز أعاد تعريف الهاتف والكمبيوتر بتمريرة واحدة بارعة. بفضل تصميمه الأيقوني المتجانس، والواجهة التي تعمل باللمس، تحول هاتف الأيفون من مجرد خيال علمي إلى حقيقة، ويمكن اعتباره بداية حقبة جديدة للأجهزة المحمولة.

لم يخترع ستيف جوبز، أو أي مهندس آخر مجهول داخل أبل، الشاشات التي تعمل باللمس، حيث ظهرت النماذج الأولية لتلك الشاشات في ستينيات القرن الماضي، أي قبل عقد كامل من تأسيس جوبز وستيف وزنياك لشركتهما، وحتى أن الأيفون نفسه لم يكن أول تطبيق لتقنية اللمس المتعدد. لكنه ببساطة جعل الشاشات التي تعمل باللمس لا تُقاوم، في وقت كانت تسيطر عليه الهواتف التقليدية، أصدرت شركة أبل في هذا الجهاز أكثر تقنيات الشاشة التي تعمل باللمس إبداعًا، والتي كانت تسبق عصرها في ذلك الوقت، باعتماد واجهة الأيفون بالكامل على اللمس، بما في ذلك لوحة المفاتيح الافتراضية.

باختصار شديد، التحول الذي صنعه الأيفون في سوق الهواتف الذكية، وفي مجال تقنية المستهلك، يمكن تشبيهه بالتحول الذي صنعته سيارة هنري فورد “موديل T” في سوق السيارات. حتى أن معظم أبناء جيل الشباب الحالي لم يتعامل من الأساس مع هواتف بدون لمس، ويعتبرها شيئًا تراثيًا من التاريخ طاعن القِدم، ومن هنا ظهرت تسمية “لن يفهمها جيل الأيفون”.

“جرى إيه يا صلاح.. هو أنا بتاع كشري؟”

منذ صدور الأيفون، ونجاحه المبهر بعدها، اتجهت كل الشركات المصنعة للهواتف التي تعمل باللمس، ليس لأنها تحتاج أن تقلد أبل، لكنها وجدت ببساطة أن هذه الفكرة هي الأنجح، والأكثر قدرة على البقاء والتي يريدها المستخدم، وبالطبع ستجلب أرباحًا أكثر. وربما هنا تكمن قوة أبل، في أنها كانت أول من يقود السوق إلى اتجاه جديد بالكامل، حتى وإن كانت هناك محاولات سابقة لها. الأمر ببساطة يتعلق بالسوق وبقدرة تلك الشركات العملاقة أن تفرض أفكارها بحثًا عن المكاسب المالية في المقام الأول.

الأمر يشبه ما يحدث حاليًا، في الخطوة التي قررت أبل بها إزالة رأس الشاحن والسماعة من علبة سلسلة هواتفها الجديدة أيفون 12. لن ننكر أن هذه الخطوة هي خطوة رائدة، وأن أبل أول شركة تقوم بها، معتمدةً في الغالب على قوتها في السوق وعلى ولاء مستخدميها.

حقيقةً، الأمر لم يكن مفاجئًا، بالنسبة لي على الأقل، لأن التسريبات أشارت منذ أواخر شهر يونيو الماضي أن أبل ستقوم بتلك الخطوة بالفعل، وكان الهدف الأساسي حينها من تلك الخطوة هو بيع جهاز أيفون 12 بسعر مماثل للإصدار السابق أيفون 11، لأن إزالة تلك الملحقات من العلبة سيعوض تكلفة مكونات شبكة الجيل الخامس داخل الجهاز، وسيؤدي إلى تقليل حجم علبة جهاز الأيفون بشكل كبير، مما يساعد على خفض تكاليف الشحن على الشركة.

لكن هذه المرة، أسباب الشركة كانت مختلفة قليلًا، عندما ذكرت ليزا جاكسون، من فوق سطح الشركة، خلال حدث إطلاق أيفون 12 أن هناك بالفعل أكثر من 700 مليون سماعة رأس سلكية، وقد انتقل كثيرون إلى تجربة السماعات اللاسلكية، بجانب وجود أكثر من 2 مليار محول طاقة من أبل حول العالم، وهذا بدون حتى أن نحسب مليارات محولات الطاقة الأخرى، لهذا تزيل الشركة تلك الملحقات من علبة الأيفون لتقلل من انبعاثات الكربون وتتجنب استخدام مواد ثمينة، وتقلل من النفايات الإلكترونية.

كل هذا جميل بالطبع، لكن، وعلى طريقة سامي سرحان في الناظر، يظل السؤال مطروحًا: “جرى إيه يا صلاح.. هو أنا بتاع كشري؟”.

مشكلة النفايات الإلكترونية، والتي تصل إلى مئات الآلاف من الأطنان لأجهزة الشحن وحدها، مشكلةً معروفةً عالميًا، وهو ما يحاول الاتحاد الأوروبي مكافحته بمبادرة استخدام شاحن مشترك يصلح لكل الهواتف. وهو شيء، كما قد تكون خمنت بالفعل، تقاومه شركة أبل بكل قوتها. الآن، ظاهريًا، يصعب الاختلاف مع طرح أبل، أليس كذلك؟ ما المشكلة بالنسبة لنا جميعًا، سواءً شركات أو أفراد، عندما نتحد معًا ونحاول إنقاذ كوكبنا؟ لكن المشكلة الحقيقة فيمن سيدفع ثمن إنقاذ الكوكب؟ ومن يستغل قضايا بيئية حقيقية لمحاولة كسب المزيد من الأموال؟

واحدة من أقوى مميزات العلاقات العامة لدى تلك الشركات العملاقة هي تمكنها من إلصاق تغير المناخ والتلوث البيئي بالأفراد، ومحاولة تهربهم من المسؤولية دائمًا. بالتأكيد، يمكن للأفراد إحداث فارق خاصةً بشكل جماعي، ولكن الشركات والحكومات هي المسؤولة عن التلوث الحقيقي.

لنكن واضحين، لن تتحدث أبل ببساطة أنها تفعل هذا من أجل الربح أو الأموال، لكن سيتعين عليها ترك الكلمات تتدفق بطريقة أو بأخرى، وهو ما فعلوه بذكرهم أنه من الناحية البيئية هذه هي الخطوة الصحيحة، وهو ما سيؤدي إلى التخلص من كمية هائلة من النفايات الإلكترونية. إن كنا سنتحدث بصراحة فيمكننا القول أن أبل، أو غيرها من الشركات، لا تهتم بالبيئة حقًا، وإن كانت تهتم فعلًا، حتى ولو قليلًا، كانت ستجعل أجهزتها قابلة للإصلاح والترقية بسهولة أكبر، وأن التخلص من الشاحن الذي يأتي مع الهواتف يتعلق بالربح في المقام الأول.

اقرأ أيضًا: إزلة أبل للشاحن من عُلبة هواتف iPhone سيزيد التلوث البيئي!

لماذا تخلصت أبل من شاحن أيفون 12؟

يمكننا تلخيص أربعة أسباب رئيسية للتخلص من شاحن هاتف أيفون 12 الجديد كالتالي:

أولًا: سيتعرض هامش الربح لهواتف أيفون 12 للانخفاض بسبب مكونات الجيل الخامس 5G، من بين التقنيات الجديدة الأخرى التي أضافتها أبل للجهاز، بجانب تأثير وباء فيروس كورونا على سلاسل الإمداد والتوريد، وهو في رأيي السبب الرئيسي الذي جعل الشركة تفكر بهذه الخطوة هذا العام.

قد لا يبدو الشاحن وكأنه يشكل هامش ربح كبير، لكن كمجمل أرباح سيظهر الفارق بالتأكيد، بالإضافة إلى ذلك، هناك فرص المكاسب من بيع الشاحن منفردًا. ستوفر أبل في علبة الهاتف الواحد بدون الملحقات 38 دولارًا، حيث قامت أبل بتحديث سعر سماعاتها السلكية وخفضتها 10 دولارات من 29 دولارًا إلى 19 دولارًا. وقدمت شاحنًا جديدًا بقوة 20 واط، والذي يكلف أيضًا 19 دولارًا.

من الواضح أن الشركة تطرح هذه التخفيضات لتهدئة الغاضبين من إزالة سماعات الأذن والشاحن. شخصيًا، ليس لدي أي مشكلة في إزالة الشاحن وسماعات الأذن من علبة هاتف أيفون 12 وما يليه من الهواتف القادمة، لكن لماذا يدفع المستهلك ثمن ذلك؟

كان يمكن تجنب هذه المشكلة برمتها إذا حصل كل شخص يشتري أيفون جديد على قسيمة من أبل بقيمة 38 دولارًا مثلًا، حيث يمكن إنفاق هذا المبلغ إما على الملحقات المذكورة، أو أي شيء آخر إذا كان الشخص يمتلك بالفعل تلك الملحقات، أو ربما وضع خيار لشراء الهاتف بدون الشاحن بخصم 38 دولار. أعرف أن من سيدفع 800 أو 1000 دولار في هاتف رائد لن ينظر إلى هذا المبلغ الضئيل، وهو نفس المبدأ الذي تستغله الشركة.

ثانيًا: هل تعرف ما الذي يضيف بشكل إجمالي على أرباح الشركات؟ نعم، شحن هذه الوحدات من الصين، فإذا تمكنت أبل من جعل علب الهواتف أكثر نحافة وأقل وزنًا، وهو الهدف الأساسي، فسيتم تعبئة وشحن وحدات أكثر. وبهذا قامت شركة أبل بهدوء بتوفير الأموال، لم تستفد من إزالة الملحقات فحسب، ولكن أيضًا من انخفاض تكاليف الشحن التي تدفعها لكل جهاز.

ثالثًا: وهو سبب قد يكون منطقي إلى حد ما، وهو الانتقال إلى جيل جديد من الهواتف التي تتخلى تمامًا عن الشحن السلكي، وربما يكون جهاز أيفون القادم بهذا الشكل. إن كان هذا هو الحال، فقد يكون من المنطقي نقل الأشخاص إلى ما وراء فكرة تضمين شاحن سلكي في علبة الأيفون الآن، وربما إجبار المزيد من العملاء على الاستعداد لثورة الشحن اللاسلكي القادمة.

رابعًا: قد تأتي البيئة ضمن القائمة، لكنها في الواقع هي العنصر الأخير، وليست العنصر الأول كما تذكر الشركة.

أعلم أن الأمر قد يبدو ساخرًا أو مبالغًا فيه، لكن من الواضح أن هذا ما يحدث، قد لا يكون كل شيء متعلق بالنقطة الأولى، لكنه مزيج من النقاط الأربعة، مع كون النقطة الأولى هي الأهم من حيث تحديد ما تفعله الشركة هنا، لأنهم ببساطة كان بإمكانهم إجراء مثل هذا التغيير في أي وقت خلال السنوات القليلة الماضية، بنفس الأساس المنطقي، ومن أجل البيئة أيضًا! ومع ذلك، فإنهم يفعلون ذلك هذا العام تحديدًا.

لن يفهمها جيل الأيفون.. “بدون شاحن”!

فكرة التخلص من الشاحن ليست فكرةً جديدةً، حيث يقول جورج باباريزوس، مدير إدارة المنتجات في شركة كوالكوم، إن الفكرة منذ عدة سنوات كانت تعتبر وسيلة لخفض أسعار الهواتف ذات الأسعار المتوسطة بالفعل، ولكن لم يتم تطبيقها لأنه في ذلك الوقت لم تكن معايير الشحن والمنافذ موحدة.

ومع ذلك، فقد بدأ العالم الآن في التجمع حول موصل USB-C، وهو المنفذ الموجود في أجهزة ماك بوك اليوم، وأجهزة اللابتوب التي تعمل بنظام ويندوز، وهواتف أندرويد الجديدة، وأجهزة الآيباد، وسماعات الرأس، والعديد من الأجهزة الأخرى. مقترنةً بمعيار توصيل الطاقة المفتوح لشحن البطارية، تسمح أحدث المواصفات لمحولات الشحن بإخراج ما يصل إلى 100 واط، مع القدرة على تقليل الطاقة إذا كان الجهاز المتصل لا يقبل هذا القدر منها.

يدعم بروتوكول الشحن الجديد Quick Charge 5 من كوالكم معيار توصيل الطاقة ويمكنه إخراج 100 واط أيضًا، وتذكر الشركة أنها تستطيع إعادة شحن الهاتف بالكامل في أقل من 15 دقيقة فقط. الشواحن التي تأتي مع العديد من الهواتف اليوم ليست كافية لإعادة شحن الأجهزة الأكبر التي تستهلك الكثير من الطاقة، ولكن مع وصول المزيد من أجهزة الشحن عالية الطاقة، ستتمكن من حمل محول واحد لشحن هاتفك الذكي أو جهازك اللوحي أو اللابتوب والأجهزة الأخرى.

هذا بجانب الاتجاه الحالي إلى تقنيات الشحن اللاسلكي، برغم أن التقنية لم تنتشر بهذه الدرجة بعد. لكن من المتوقع أن تحذو شركات تصنيع الهواتف حذو أبل، كما فعلت في العديد من القرارات والخطوات الأخرى، وتزيل رأس الشاحن من علبة هواتفها الرائدة، ثم قد تزيلها من علبة كل الهواتف. ستنتظر تلك الشركات فقط أن تصدر أبل التقرير المالي لهذا الربع، لترى كم وفرت خطوة تقليل حجم علبة هاتف أيفون 12 من الأموال. لأن هذا هو ببساطة منطق تلك الشركات، ليست البيئة من ضمن اهتماماتهم أو على رأس أولوياتهم.

قد تكون هذه الخطوة هي بداية عصر جديد في تقنيات الشحن، وربما الاتجاه لشاحن مشترك لكل الأجهزة، ما أعرفه هو أن الجيل القادم لن يفهم معنى وجود الشاحن، وستتحول العبارة إلى “لن يفهمها جيل الأيفون بدون شاحن”!

ختامًا، مشكلتي الحقيقية ليست في إزالة الشاحن أو السماعة من علبة هاتف أيفون 12، حتى وإن أرسلت أبل العلبة فارغة بدون الهاتف لن يشكل لي أي فارق، إنما اعتراضي، كما ذكرت، على استغلال قضايا بيئية حقيقية تحتاج إلى علاج ومواجهة، وإلصاقها بالمستخدم، ومحاولة التربح من وراءها باستخدام آلة إعلامية ضخمة، ومشجعين متحمسين تعرف الشركة أنهم سيقبلون أي شيء تقوله أو تفعله!

ربما تكون هذه الخطوة هي الاختيار الأمثل، وربما تخطط أبل للمستقبل فعلًا، وربما ستتبعها باقي الشركات بعدما تظهر جدواها الاقتصادية، كل هذا جميل بالطبع، لكن لا تحدثني عن الاهتمام بالبيئة من فضلك، فأنا لست “بتاع كشري”!


الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock