آخر الأخبارأخبارأخبار العالم

فرسان البر وأمراء البحار: أكلة اللحم النيئ

يقول الشاعر البريطاني صامويل كولريدج (القرن الثامن عشر) في «أنشودة البحار القديم»: «الجليد هنا، الجليد هناك، الجليد في كل مكان». كثيرون وصلوا في مخيلاتهم إلى العالم الجليدي قبل أن يصله المكتشفون الشجعان. لكن الأكثر أهمية من سباق الشجاعة كان سباق العلم. ففي عام 160م رسم الجغرافي والفلكي الإسكندراني العظيم بطليموس، خريطة للكوكب يصوره مستديراً والقطبان على حافتيه. ولم يكن على الواصلين سوى التأكد من ذلك.
وكان طبيعياً أن يثير العالم المتجمد مخيلة أدباء أيضاً. ومنهم آرثر كونان دويل، الذي ألف فيما بعد قصص شرلوك هولمز، وتشارلز ديكنز، والفرنسي جول فيرن، والأميركي إدغار آلان بو، «حيث الطبيعة المرعبة تكشف لا مبالاتها بالإنسانية، وحيث الإنسانية تتخلى عن البشر وتتركهم يصابون بالجبن والعنف وتكسر أحلامهم».
سماها اليوناني بنياس «الأرض التي خلف كل الأراضي المعروفة». وكتب رحالتها أنها الأرض «التي تتجمد فيها الكواحل، وتصاب الصدور بالألم، ولا يفارق السعال الحناجر». ولا الرياح تكف عن الهبوب. ولا الجليد عن التشقق والتحول إلى أفخاخ: ومع ذلك كان في هذه المناطق سكان أصليون يعرفون باسم «إنويت» (inuit) أي الشعب، والإسكيمو، أي «أكلة اللحم النيئ»، وقد استعان بهم الرحالة في اكتشاف القطبين، كما استعان رحالة الصحراء بالبدو.
اخترت للسلسلة من بين أحداث القطبين، السباق إلى القطب الجنوبي، أواتا، القرن الماضي (1910 – 1912) وأطول رحلة سيراً عام 1968 – 1969، عام الوصول إلى القمر.
صيف 1911 تنافس خمسة بريطانيين وخمسة نرويجيين في الوصول إلى أسفل الكرة، القطب الجنوبي. النرويجيون تمكنوا من العودة، فماذا حدث للبريطانيين؟ لم يكن يُعرف عن منطقة إنتاركتيكا، القارة القطبية الجنوبية. أو ما إذا كانت قارة أو تكتلاً جليدياً عائماً، لأنها لم تكن قد خضعت إلا لزيارة استشكافية واحدة، وذلك في عام 1902، حين اجتاز النقيب في البحرية الملكية البريطانية روبرت فالكون سكوت ومعه فريق مؤلف من كل من الضابط في البحرية إرنست شاكلتون، والدكتور إدوارد ويلسون، قرابة 645 كلم جنوباً فوق جرف «روس سي» الجليدي. وكان هذا الاستكشاف العلمي إنجازاً أساسياً للجمعية الملكية الجغرافية.
وكان سكوت في السابق رجلاً غامضاً مختصاً بصنع أنابيب الطوربيد، من دون أي خبرة في الاستكشافات. ولكن بعد إنجازه في إنتاركتيكا في عام 1902، بات متعارفاً عليه عالمياً أنه أعظم القواد البريطانيين في الاستكشافات القطبية. ولكن الأمور تبدلت حين حاول شاكلتون بدوره أن يقوم بالمهمة مع فريقه الخاص المكون من أربعة أشخاص، مرتكزاً على الأمثولات التي تعلمها من سكوت، والأراضي التي اكتشفها هذا الأخير، فاستطاع أن يذهب أبعد جنوباً، ولم يكن يبقى له سوى 156 كلم للوصول إلى هدفه، حين عاد أدراجه بسبب نفاد المؤونة والإمدادات. وفي مارس (آذار) عام 1909، حين وقع سكوت على هذا الخبر، أدرك أنه من الأفضل أن يكون هو من يعيد الكرة في المرة اللاحقة.
إلى اللقاء…


الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock